القرطبي
408
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في حال إحرامه بالحج ، كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر ، وشبه ذلك . وقال ابن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام ، ومنه قوله تعالى : " أو فسقا أهل لغير الله به " ( 1 ) [ الانعام : 145 ] . وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب ، ومنه قوله : " بئس الاسم الفسوق " ( 2 ) [ الحجرات : 11 ] . وقال ابن عمر أيضا : الفسوق السباب ، ومنه قوله عليه السلام : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) . والقول الأول أصح ، لأنه يتناول جميع الأقوال . قال صلى الله عليه وسلم : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) ، ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) خرجه مسلم وغيره . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ) . وقال الفقهاء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه . وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ، ذكر القولين ابن العربي رحمه الله . قلت : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده . قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة . وقيل غير هذا ، وسيأتي . الثامنة - قوله تعالى : " ولا جدال في الحج " قرئ " فلا رفث ولا فسوق " بالرفع والتنوين فيهما . وقرئا بالنصب بغير تنوين . وأجمعوا على الفتح في " ولا جدال " ، وهو يقوي قراءة النصب فيما قبله ، ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال ، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله ، وعلى النصب أكثر القراء . والأسماء الثلاثة في موضع ( 3 ) رفع ، كل واحد مع " لا " . وقوله " في الحج " خبر عن جميعها . ووجه قراءة الرفع أن " لا " بمعنى " ليس " فارتفع الاسم بعدها ، لأنه اسمها ، والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحج ، دل عليه " في الحج " الثاني الظاهر وهو خبر " لا جدال " . وقال أبو عمرو بن العلاء : الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق ، أي شئ يخرج من الحج ، ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 115 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 328 . ( 3 ) هذا على أحد قولين للنحويين ، والثاني أن " لا " عاملة في الاسم النصب وما بعدها خبر .